في ذكرى رحيله.. محمد صفاء عامر صاحب البصمة الخالدة في الدراما الصعيدية
تحل اليوم ذكرى رحيل الكاتب والسيناريست الكبير محمد صفاء عامر، أحد أبرز صناع الدراما التلفزيونية في مصر، والذي ترك بصمة لا تمحى في تاريخ الفن بأعمال أصبحت جزءا من ذاكرة المشاهد العربي، ونجح في تقديم صورة مختلفة عن المجتمع الصعيدي، مستندا إلى خبرته الحياتية ونشأته في جنوب مصر، ليؤسس مدرسة درامية متفردة، ويقدم أعمالا خالدة في مقدمتها مسلسل " ذئاب الجبل" الذي تحول إلى علامة فارقة في تاريخ الدراما المصرية، إلى جانب أعمال أخرى رسخت اسمه كأحد أهم كتاب السيناريو في الوطن العربي.
ولد محمد صفاء عامر في 22 يناير عام 1941 بقرية فاو غرب التابعة لمركز دشنا بمحافظة قنا، ونشأ في بيئة ريفية صعيدية تركت أثرا بالغا في وجدانه وإبداعه، وتخرج في كلية الحقوق عام 1963، والتحق بالسلك القضائي، وتدرج في مناصبه حتى أصبح مستشارا بمحكمة الإسكندرية، قبل أن يتخذ قرارا بالاستقالة والتفرغ للكتابة، ليبدأ رحلة جديدة صنع خلالها واحدا من أهم المشروعات الدرامية في تاريخ التلفزيون المصري.
وانعكست نشأته الصعيدية بوضوح على أعماله، إذ لم يقدم الصعيد باعتباره مجرد خلفية للأحداث، بل تناوله من الداخل، كاشفا تفاصيل المجتمع وعاداته وتقاليده وقضاياه الإنسانية. كما ينسب إليه استحداث وظيفة مصحح اللهجة الصعيدية في الدراما التلفزيونية، حرصا على تقديم اللهجة بصورة دقيقة بعيدا عن الأخطاء التي كانت شائعة في الأعمال السابقة.
وبدأ صفاء عامر رحلته الفنية بالكتابة للسينما، فقدم عددا من الأفلام، منها: " نشاطركم الأفراح" عام 1988 ، "وكيل النائب العام" 1989 ، "الشيطان يقدم حلا" 1991، "الطيب والشرس والجميلة" 1994، "الهروب إلى القمة" 1996، و"صعيدي رايح جاي" 2001 ، إلا أن شهرته الحقيقية جاءت عبر الدراما التلفزيونية، حيث قدم مجموعة من أبرز المسلسلات التي أصبحت من كلاسيكيات الشاشة، من بينها: اليقين (1990) ، ذئاب الجبل(1993) ، حلم الجنوبي (1997) ، الضوء الشارد (1998) ، الفرار من الحب (2000) ، حدائق الشيطان (2006) ، أفراح إبليس (2009) ، وحق مشروع (2007) .
وشكل تعاونه مع المخرج مجدي أبو عميرة واحدا من أنجح الثنائيات في تاريخ الدراما المصرية، إذ قدما معا أعمالا حققت نجاحا جماهيريا واسعا، ورسخت مكانة محمد صفاء عامر كأحد أبزر كتاب الدراما الاجتماعية والصعيدية.
كما نجح في إعادة تقديم عدد من النجوم في أدوار مختلفة، فقدم الفنان رياض الخولي بصورة مميزة في مسلسل "الفرار من الحب " وأعاد اكتشاف ممدوح عبدالعليم في "الضوء الشارد"، وقدم جمال سليمان في تجربة صعيدية لافتة من خلال "أفراح إبليس"، فيما ظل مسلسل "حلم الجنوب" الذي قام ببطولته صلاح السعدني من أقرب الأعمال إلى قلبه.
وحصدت أعماله العديد من الجوائز والتكريمات، من بينها جائزة أفضل مسلسل عن "الضوء الشارد" في مهرجان القاهرة الخامس للإذاعة والتلفزيون، وجائزة أفضل سيناريو عن "حدائق الشيطان" في الدورة الرابعة لمهرجان أوسكار السينما المصرية، كما كرمه مهرجان الدراما العربية عام 2014 تقديرا لعطائه الفني الكبير.
وقبل رحيله، كان يضع اللمسات الأخيرة على سيناريو مسلسل " شفيقة ومتولي"، المأخوذ عن التراث الشعبي المصري، إلا أن المرض حال دون استكمال المشروع، ورحل في 13 أغسطس عام 2013، عن عمر ناهز 72 عاما، بعد صراع مع المرض انتهى بجلطة دماغية، داخل مستشفى دار الفؤاد بمدينة السادس من أكتوبر، وشيعت جنازته من مسجد الحصري عقب صلاة الظهر، ليرحل تاركا إرثا فنيا يقترب من خمسين عملا بين السينما والدراما، ما زالت تحظى بالمشاهدة حتى اليوم.
ونعاه الفنان صلاح السعدني قائلا: "لا أجد كلاما أصف به صاحب أهم كلاسيكيات دراما الصعيد في مصر، وأخي الذي لم تلده أمي، فهو واحد من هؤلاء الذين قامت على أكتافهم الدراما، وهو من وضع قالبا للدراما مع صديقه الراحل أسامة أنور عكاشة".
ووصفه الكاتب يسري الجندي بأنه أحد أهم من تناولوا قضايا الصعيد بإبداع وعمق، مؤكدا أنه يستحق لقب "رائد الدراما الصعيدية" لما قدمه من معالجة إنسانية راقية لقضايا المجتمع الجنوبي.

