رئيس التحرير
أحمد ناصف
رئيس التحرير
أحمد ناصف

«معلومات الوزراء»: مصر نجحت في ترسيخ مكانتها كمركز إقليمي لخدمات التعهيد

نشر
مستقبل وطن نيوز

أصدر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، تحليلاً جديداً حول "صناعة التعهيد"، موضحاً أن هذه الصناعة أصبحت إحدى أكثر القطاعات جذبًا للاستثمارات وتوليدًا لفرص العمل في ظل التحولات المُتسارعة التي يشهدها الاقتصاد الرقمي العالمي، مضيفاً أن الشركات العالمية لم تعُد تبحث فقط عن خفض التكاليف التشغيلية، بل أصبحت تسعى إلى الوصول للكفاءات البشرية والقدرات التكنولوجية التي تمكنها من تقديم خدمات عالية القيمة عبر الحدود. 

وأضاف أن صناعة التعهيد تعتمد على إسناد بعض المهام أو الخدمات إلى جهات خارجية متخصصة تمتلك الخبرة والكفاءة اللازمة لتنفيذها، وتلجأ الشركات والمؤسسات إلى التعهيد بهدف خفض التكاليف التشغيلية، وتحسين جودة الخدمات، والاستفادة من الخبرات المتخصصة، بما يتيح لها التركيز على أنشطتها الأساسية وتعزيز قدرتها التنافسية.

وقد أدى التوسع في التحول الرقمي وتطور تكنولوجيا المعلومات والاتصالات إلى زيادة الطلب العالمي على خدمات التعهيد، لتشمل مجالات متعددة، مثل: خدمات مراكز الاتصال، وتطوير البرمجيات، وتحليل البيانات، والخدمات المالية والمهنية؛ مما جعل هذه الصناعة أحد المحركات الرئيسة للاقتصاد الرقمي العالمي.

وفي هذا الإطار، تبرز مصر كإحدى الوجهات الصاعدة في سوق التعهيد العالمية، مستفيدة من قاعدة شبابية واسعة، وبنية تحتية رقمية متطورة، وموقع جغرافي يربط بين الأسواق الأوروبية والآسيوية والإفريقية. واستنادًا إلى بيانات البنك الدولي، فإن مؤشرات التنمية العالمية (WDI) تظهر تطورات هيكل الناتج المحلي الإجمالي المصري خلال الفترة (2015 - 2024) والأهمية المتزايدة لقطاع الخدمات، الذي حافظ على مكانته كأكبر القطاعات المساهمة في الاقتصاد المصري، مستحوذًا على نحو 48.9% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2024، وتكتسب هذه الأهمية بُعدًا إضافيًّا في ظل النمو المتسارع للأنشطة الخدمية الحديثة، وعلى رأسها خدمات التعهيد وتصدير الخدمات الرقمية.

وشهدت صناعة التعهيد في مصر نموًّا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، بما يعكس تنامي مكانتها كأحد القطاعات الواعدة الداعمة للاقتصاد الرقمي؛ حيث توسَّعت القاعدة التشغيلية للقطاع لتضم أكثر من 240 شركة تمتلك نحو 270 مركزًا لتقديم خدمات التعهيد، وأسهمت في توفير نحو 181 ألف فرصة عمل، فضلًا عن توقيع مذكرات تفاهم مع 55 شركة عالمية ومحلية، الأمر الذي يعكس تزايد ثقة المستثمرين في السوق المصرية وقدرتها على تعزيز مكانتها كمركز إقليمي لخدمات التعهيد.

استعرض التحليل مفهوم التعهيد وفقًا لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، بأنه اعتماد المؤسسة على سلع أو خدمات يتم إنتاجها خارج حدودها التنظيمية بواسطة جهة أخرى، سواء داخل الدولة نفسها فيما يعرف بالتعهيد المحلي (Domestic Outsourcing) أو خارجها. أما التعهيد الخارجي (Offshore Out sourcing) فيُقصد به نقل أو الحصول على إنتاج السلع والخدمات من خارج الدولة التي توجد فيها المؤسسة، ويتخذ هذا النمط شكلين رئيسين؛ الأول هو التعهيد الداخلي من الخارج، حيث تقوم المؤسسة بنقل جزء من أنشطتها الإنتاجية أو الخدمية إلى فروعها أو شركاتها التابعة في الخارج مع احتفاظها بالملكية والسيطرة على تلك الأنشطة، سواء كانت هذه الفروع قائمة بالفعل أو تم إنشاؤها خصوصًا لهذا الغرض.

أما الشكل الثاني فهو التعهيد الخارجي عبر التعاقد، والذي يتمثل في إسناد إنتاج السلع أو الخدمات، كليًّا أو جزئيًّا، إلى شركة أجنبية مستقلة لا تربطها علاقة ملكية بالمؤسسة الأصلية، وهو ما يُعرف بالتعاقد من الباطن على المستوى الدولي. وبذلك فإن التعهيد الخارجي لا يقتصر على نقل الأنشطة الاقتصادية إلى شركات مستقلة في الخارج، بل يشمل أيضًا تحويلها إلى فروع أو شركات تابعة مملوكة للمؤسسة نفسها، وهو ما يجعل التمييز بين هذه الأشكال المختلفة أمرًا ضروريًّا لفهم طبيعة سلاسل القيمة العالمية وتقييم الآثار الاقتصادية المترتبة على انتشار أنشطة التعهيد الدولية. التي

وفي ضوء تعدد مجالات التعهيد وتوسع نطاق تطبيقاته، أشار التحليل إلى لجوء الشركات لهذا المجال لتحقيق مجموعة من الأهداف الاستراتيجية التي تتجاوز مجرد خفض التكاليف؛ حيث تُسهم في تحسين الكفاءة التشغيلية، وتقليل المخاطر، وتعزيز القدرة على النمو المستدام. فمن خلال الاستعانة بمقدمي خدمات متخصصين، تستطيع المؤسسات الوصول إلى خبرات ومهارات متقدمة دون تحمل تكاليف التوظيف والتدريب المستمرة، كما تستفيد من وفورات الحجم التي تُمكِّنها من تقديم الخدمات بكفاءة أعلى. ويوفر التعهيد أيضًا مرونة كبيرة للشركات في التكيف مع التغيرات في حجم الطلب والظروف السوقية؛ مما يساعدها على التوسع أو تقليص العمليات وفقًا لاحتياجاتها.

إضافة إلى ذلك، يسمح التعهيد للمؤسسات بالتركيز على أنشطتها الأساسية وأولوياتها الاستراتيجية بدلًا من الانشغال بالمهام التشغيلية والإدارية، الأمر الذي يعزز الإنتاجية والقدرة التنافسية. كما يُسهم في تحسين جودة الخدمات واستمراريتها من خلال الاعتماد على مزودي خدمات متخصصين يلتزمون بمعايير أداء محددة، فضلًا عن دوره في دعم الامتثال التنظيمي وإدارة المخاطر في ظل تزايد تعقيد القوانين والمتطلبات التنظيمية على المستويين المحلي والدولي.

أوضح التحليل أنه في ظل التحول العالمي المتسارع نحو اقتصاد الخدمات الرقمية، تبرز مؤشرات الثقة الدولية كأداة تحليلية مهمة لقياس جاذبية الدول في قطاع التعهيد، وكشف نقاط القوة والضعف النسبية التي تحدد مواقعها في سلاسل القيمة العالمية. ويُعد مؤشر الثقة في تجربة العملاء في التعهيد الخارجي (Offshore CX Confidence Index 2025) تقريرًا سنويًّا يصدر بالتعاون بين شركتي Cognitive Copy وRyan Strategic Advisory، ويهدف إلى تقييم مدى جاذبية وكفاءة مواقع التعهيد الخارجي (Offshore) والتعهيد القريب (Nearshore) في مجال إدارة تجربة العملاء وخدمات مراكز الاتصال وعمليات الأعمال. ويعتمد المؤشر على آراء العاملين ومقدمي الخدمات في 16 دولةً وموقعًا عالميًّا، مما يجعله أداةً مرجعيةً تساعد قادة الأعمال ومتخذي القرار على اختيار المواقع الأكثر ملاءمةً لتقديم خدمات تجربة العملاء في بيئة عالمية متغيرة ومتزايدة التنافسية.

ويعتمد المؤشر على مسح هاتفي أُجري خلال شهري سبتمبر وأكتوبر 2025، واستهدف المديرين والتنفيذيين والقادة التشغيليين العاملين في قطاع تجربة العملاء (CX) وخدمات التعهيد (BPO)، سواء في مراكز الاتصال الداخلية التابعة للشركات أو لدى مقدمي خدمات التعهيد.

أوضح التحليل أن نتائج مصر في مؤشر الثقة في تجربة العملاء في التعهيد الخارجي تُظهر مستوى مرتفعًا من الثقة بلغ 80.9%؛ مما يعكس مكانتها المتنامية كوجهة جاذبة لخدمات التعهيد الخارجي وتجربة العملاء. ويرجع ذلك بشكل أساسي إلى توافر قوة عاملة شابة ومتعددة اللغات بتكلفة تنافسية، إلى جانب بنية تحتية جيدة، وسوق عقارية تجارية قوية، ومستويات مرتفعة من الأمن والاستقرار التشغيلي. وقد حققت مصر أعلى درجات الثقة في مجالي الأمن والسلامة بنسبة 90.2%، والبنية التحتية بنسبة 86.9%، كما سجلت نتائج مرتفعة في سوق العمل بنسبة 84.1%، والعقارات التجارية بنسبة 84.2%، وبيئة الصناعة بنسبة 81.5%. وأشار المشاركون إلى أن قدرة مصر على تقديم خدمات بعدد كبير من اللغات، إضافةً إلى التقارب الثقافي مع الأسواق الأوروبية والأمريكية، تمنحها ميزة تنافسية مهمة مقارنةً بالعديد من وجهات التعهيد الأخرى. وبصفة عامة، تؤكد نتائج المؤشر أن مصر تمتلك مقومات قوية لتعزيز موقعها كمركز إقليمي ودولي لخدمات التعهيد.

وتُعَد الهند النموذج العالمي الأبرز في صناعة خدمات التعهيد وتجربة العملاء؛ حيث احتلت المركز الأول في مؤشر الثقة في تجربة العملاء في التعهيد الخارجي (Offshore CX Confidence Index 2025) بإجمالي 93.9%، مقارنةً بـ 80.9% لمصر التي جاءت في المركز السابع. ويعكس هذا الفارق مجموعةً من المزايا التنافسية التي يمكن لمصر الاستفادة منها لتعزيز مكانتها الدولية في هذا القطاع؛ حيث استطاعت الهند ترسيخ سمعتها الدولية كمركز عالمي للتعهيد من خلال التكامل بين المهارات البشرية والتقنيات الحديثة، وخاصة الذكاء الاصطناعي والأتمتة. لذلك يمكن لمصر أن تستفيد من هذا التوجه عبر تسريع دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في خدمات التعهيد، وتطوير برامج التدريب الرقمي المتخصصة، بما يعزز القيمة المضافة للخدمات المقدمة بدلًا من الاعتماد فقط على الميزة التكلفية. كذلك تُظهر التجربة الهندية أهمية بناء منظومة مؤسسية داعمة للصناعة من خلال التنسيق المستمر بين الحكومة والقطاع الخاص والجهات المعنية بالترويج للاستثمار. وفي هذا السياق، يمكن لمصر تعزيز جهودها التسويقية الدولية لإبراز قدراتها في مجال التعهيد متعدد اللغات، والاستفادة من موقعها الجغرافي وقربها من الأسواق الأوروبية وأسواق الشرق الأوسط، بما يُسهم في جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية وزيادة حصتها من سوق خدمات التعهيد العالمية.

أوضح التحليل أن نجاح مصر في جذب استثمارات التعهيد يرتكز على إطار مؤسسي متكامل تقوده وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، وتضطلع هيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات (إيتيدا) بدور محوري في تنفيذه من خلال الترويج لمصر كمقصد عالمي لخدمات التعهيد، وتقديم الحوافز للشركات، وتنمية الصادرات الرقمية. كما تُسهم جهات أخرى، من بينها هيئة الاستثمار والمناطق الحرة، والمعهد القومي للاتصالات، والجامعات المصرية، في دعم بيئة الأعمال وتوفير الكوادر البشرية المؤهلة، إلى جانب التوسع في المناطق التكنولوجية ومراكز الإبداع الرقمي، بما يعزز قدرة مصر على المنافسة في سوق خدمات التعهيد العالمية.

وفي هذا الإطار؛ تولي الحكومة المصرية اهتمامًا متزايدًا بقطاع التعهيد باعتباره أحد المحركات الرئيسة للنمو الاقتصادي وزيادة الصادرات الرقمية. حيث تعمل وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات على تعزيز مكانة مصر كمركز عالمي لتصدير خدمات تكنولوجيا المعلومات والتعهيد من خلال جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية، والتوسع في الشراكات مع كبرى الشركات العالمية العاملة في هذا المجال. كما تركز الحكومة على تطوير المناطق التكنولوجية لاستيعاب المزيد من شركات التعهيد، وتوفير بيئة أعمال داعمة لنمو القطاع.

كما تتولى الوزارة الدور الرئيس في دعم وتنمية صناعة التعهيد في مصر، من خلال وضع وتنفيذ السياسات والبرامج الهادفة إلى تعزيز تنافسية القطاع وتوفير بيئة أعمال جاذبة للاستثمارات. وفي هذا الإطار، تعمل الوزارة على تطوير البنية التحتية للاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، والتوسع في إنشاء المناطق التكنولوجية بمختلف المحافظات، بما يُسهم في جذب الشركات المحلية والعالمية لإنشاء مراكز للبحث والتطوير ومراكز الخدمات المشتركة داخل مصر.

بالإضافة إلى حرصها على تنمية الكوادر البشرية اللازمة لدعم نمو القطاع، وذلك عبر إطلاق وتنفيذ مبادرات تدريبية بالتعاون مع كبرى الشركات والمؤسسات الدولية، تشمل برامج تدريبية متخصصة وحلول تعلُّم رقمية تستهدف تأهيل الشباب بالمهارات الفنية والرقمية المطلوبة، بما يواكب احتياجات سوق العمل ومتطلبات صناعة التعهيد العالمية.

وتستهدف الدولة زيادة صادرات خدمات التعهيد من نحو 5.2 مليارات دولار إلى 6 مليارات دولار عام 2026، إلى جانب التوسع في الأنشطة ذات القيمة المضافة المرتفعة، مثل تصميم الإلكترونيات وأشباه الموصلات، من خلال دمجها ضمن برامج تنمية الصادرات. وتعكس هذه الجهود رؤية الحكومة نحو تعزيز تنافسية الاقتصاد الرقمي المصري، وتوفير فرص عمل نوعية، وزيادة مساهمة قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في الاقتصاد الوطني خلال السنوات المقبلة.

وفي إطار التوجه الاستراتيجي للدولة نحو بناء اقتصاد رقمي تنافسي، وتعزيز مكانة مصر كمركز إقليمي وعالمي للخدمات العابرة للحدود، تتكامل مجموعة من السياسات والمبادرات والبرامج الوطنية لدعم قطاع التعهيد باعتباره أحد محركات النمو الرئيسة في الاقتصاد المصري. وتأتي هذه الجهود متسقة مع مستهدفات رؤية مصر 2030 وبرنامج عمل الحكومة، اللذين يضعان التحول الرقمي، وتنمية رأس المال البشري، وزيادة الصادرات ذات القيمة المضافة، في مقدمة أولويات التنمية الاقتصادية. كما تعكس هذه السياسات تحولًا نوعيًّا من التركيز على الخدمات التقليدية إلى بناء منظومة متكاملة للخدمات الرقمية المتقدمة، تقوم على المعرفة والتكنولوجيا والابتكار، بما يعزز قدرة مصر على المنافسة في سلاسل القيمة العالمية.

وأوضح التحليل في ختامه أن نجاح مصر في ترسيخ مكانتها كمركز إقليمي لخدمات التعهيد لم يكن وليد المزايا التقليدية المتمثلة في انخفاض التكاليف أو الموقع الجغرافي فحسب، بل جاء نتيجة رؤية استراتيجية متكاملة ارتكزت على تطوير البنية التحتية الرقمية، وبناء رأس مال بشري مؤهل، وتطوير بيئة أعمال داعمة للاستثمار والابتكار. وقد انعكس ذلك في النمو المتسارع للصادرات الرقمية، وتوسع الشركات العالمية العاملة في السوق المصرية، وتحسن ترتيب مصر في المؤشرات الدولية المتخصصة، وتتسق هذه الجهود بصورة مباشرة مع مستهدفات رؤية مصر 2030، التي تضع التحول الرقمي، وتنمية رأس المال البشري، وتعزيز التنافسية الاقتصادية في صدارة أولوياتها.

ويتطلب الحفاظ على هذه المكانة وتعزيزها مواصلة الاستثمار في المهارات الرقمية المتقدمة، لا سيما في مجالات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والأمن السيبراني وتحليل البيانات، إلى جانب تعزيز الابتكار وريادة الأعمال ورفع مستويات التنافسية الرقمية. 

وفي ظل التحولات العالمية المتسارعة التي تشهدها صناعة التعهيد وانتقالها من المنافسة القائمة على التكلفة إلى المنافسة القائمة على المعرفة والقيمة المضافة، تمتلك مصر فرصة حقيقية للتحول من مجرد وجهة جاذبة لخدمات التعهيد إلى مركز إقليمي وعالمي لإنتاج وتصدير الخدمات الرقمية المتقدمة، بما يدعم أهداف التنمية الاقتصادية ويعزز مكانة الاقتصاد المصري في الاقتصاد الرقمي العالمي.

عاجل