روح خدهم منه!
من أجمل المشاهد الواقعية في السينما المصرية مشهد عزاء والد فتحي نوفل الذي جسده الفنان عادل إمام في فيلم «طيور الظلام» عام 1995.
وسط المعزين، يقترب رجل فجأة ويقول لـ فتحي نوفل:
«أبوك الله يرحمه كان واخد مني خمسة آلاف جنيه علشان يجيب لي شقة في المحافظة، لكن يظهر إن ربنا افتكره قبل ما يوفّي بوعده».
ينظر إليه عادل إمام للحظة، ثم يرد بجملة قصيرة أصبحت من أشهر إيفيهات الفيلم:
«روح خدهم منه!».
المشهد لم يكن مجرد نكتة أو إفيه سينمائي، بل كان درسًا عميقًا في فهم النفس البشرية.
فالرجل اختار لحظة وفاة أحد أطراف الواقعة ليعلن روايته. رواية لا يمكن التحقق منها، ولا يمكن تكذيبها، ولا يستطيع صاحبها الرد عليها أو الدفاع عن نفسه. لقد أصبح الميت خصمًا مثاليًا؛ لا يتكلم، ولا يرد، ولا يقاضي، ولا يفضح الكاذب إن كان كاذبًا.
ولهذا ظل هذا المشهد حاضرًا في الذاكرة حتى اليوم، لأننا نصادف نسخًا كثيرة من هذا الرجل في حياتنا العامة.
بعد رحيل الزعماء والرؤساء وكبار المسؤولين، يخرج علينا أشخاص لم نسمع عنهم من قبل، يروون قصصًا مذهلة عن قربهم من دوائر القرار. أحدهم كان مستشارًا غير معلن، وآخر كان صاحب الرأي الذي غيّر مسار الدولة، وثالث كان يدخل ويخرج من مكتب الرئيس دون مواعيد، ورابع كان يرفض المناصب الكبرى كل صباح!
المفارقة أن معظم هذه الروايات تظهر بعد وفاة أصحابها أو خروجهم من السلطة، أي في اللحظة التي يصبح فيها الرد مستحيلًا.
بعد رحيل الرئيس الأسبق حسني مبارك، سمع المصريون عشرات القصص والروايات المتناقضة عن علاقات خاصة، وحوارات سرية، ومواقف لم يشهدها أحد إلا الراوي نفسه. بعض هذه القصص قد يكون صحيحًا، لكن المشكلة ليست في الصدق أو الكذب، بل في غياب إمكانية التحقق.
والأمر لا يقتصر على السياسة فقط.
في عالم الفن، بعد وفاة كبار الفنانين، تظهر فجأة شهادات عن مواقف وأسرار ووصايا لا يعرفها أحد.
وفي عالم الرياضة، يتحدث البعض عن نصائح أعطاها لاعب راحل أو مسؤول متوفى. وفي عالم المال والأعمال، تظهر حكايات عن شراكات واتفاقات لم توثق يومًا.
كل هؤلاء يعتمدون على القاعدة نفسها.. الطرف الآخر لن يتكلم.
لذلك فإن المؤرخين الجادين لا يبنون أحكامهم على الروايات الفردية المتأخرة، خصوصًا إذا جاءت بعد وفاة أحد أطرافها. فالتاريخ لا يكتبه من يتحدث أكثر، بل من يملك الدليل الأقوى.
ولهذا يبقى رد عادل إمام في الفيلم واحدًا من أكثر الردود ذكاءً واختصارًا..«روح خدهم منه».
جملة ساخرة، لكنها تكشف حقيقة كبيرة..حين يغيب الشاهد الآخر، يصبح الكلام سهلًا جدًا، أما الحقيقة فتصبح مشكوك في أمرها.